منتدى الباحث الإسماعيلي

موقع شخصي وغير رسمي
 
الرئيسيةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلقائمة الاعضاءالمجموعاتدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
المواقع الرسمية للاسماعيلية الآغاخانية

شاطر | 
 

 الامام جعفر الصادق عليه السلام فكرا وعقيدة في حلقات

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
مهند أحمد اسماعيل
مشرف عام


عدد الرسائل : 4437
العمر : 41
تاريخ التسجيل : 09/07/2008

مُساهمةموضوع: الامام جعفر الصادق عليه السلام فكرا وعقيدة في حلقات   الخميس يونيو 18, 2009 1:25 am

الوضع العقيدي قبل الإسلام

جاء الإسلام والعالم البشريّ يعاني من أزمات حادة في شتى مجالات الحياة أبرزها المجال الفكريّ والعقيديّ.
وكان أبرز مظاهر هذه الأزمة العقيديّة هو:
1 ـ تجسيم الله وتشبيهه سبحانه بالمخلوقين.
2 ـ الثنويّة.
3 ـ التثليث.
4 ـ عبادة وتقديس الفرد.
5 ـ عبادة الأوثان والأصنام.
6 ـ الجبرية وسلب الاختيار من الإنسان.
وبكلمة واحدة: انعدام رؤية واضحة لمسألة الخالِق، ومسألة الكون والحياة والإنسان وفلسفة الوجود، والعالم الآخر.
وقد جاء وصف هذا الوضع المتدهور في المجال الفكري والعقيدي النظام العقيدي أوّل ما طرحه الإسلام
في ثنايا آيات لا تحصى من القرآن الكريم، وأحاديث رسول الله محمد المصطفى وخُطب الإمام عليّ والزهراء، وبعض المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين،

النظام العقيدي أوّل ما طرحه الإسلام

وكان أوّل ما عرضه الإسلام على المجتمع البشري يومذاك هو نظام اعتقادي جامع وشامل، ويتّسم بالترابط والانسجام، ويقوم على العقلانية والواقعية.
ولقد كرّس القرآن الكريم آيات عديدة جدّاً ربما تستأتر بثُلثي القرآن لإعطاء صورة واضحة ودقيقة ووافية عن «المبدأ، والمعاد» وما بينهما من مسائل وقضايا تمتّ الى العقيدة بصلة.
وبذل رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ومن بعده، وصيّه الإمام علي بن أبي طالب، جهوداً كبيرة وواسعة لترسيخ دعائم وجذور هذا النظام العقائدي، فيالنفوس والقلوب، وبناء صرح المجتمع الاسلامي على قواعد فكرية سليمة، ونقيّة من أدران الشرك والوثنية، ومن شوائب التشبيه والثنويّة.
وتلقّت الفطر السويّة والنفوس السليمة هذه الرؤية وهذا النظام العقائدي بالقبول، وإن استقبلها البعض ـ بعد شيء من العِناد والتعصّب للباطل ـ وانفتحت بصائر الناس في مطلع الإسلام على اُفق جديد ورائع في مجال العقيدة، خال عن التعقيد، وبعيد عن الخرافة، فاعتنقت الناس العقيدة الإسلامية، وأحبّتها ونظّمت سلوكها وحياتها على ضوء مبادئها، ودافعت عنها بنفسها ونفيسها، وبما ملكته من غال ورخيص.
واستمرّ هذا الوضع حتى أواخر القرن الأوّل الهجري وبالضبط مطلع القرن الثاني الهجري

تردّي الوضع العقيدي في مطلع القرن الثاني

ففي مطلع القرن الثاني الهجري على وجه التحديد شهدت الساحة الاسلامية ظهوراً قوياً، وتنامياً متزايداً لاتجاهات فكرية وعقيدية غريبة عن روح وطبيعة النظام الفكري والعقيدي الذي جاء به الإسلام الحنيف، تردّي الوضع العقيدي في مطلع القرن الثاني
وبالأحرى شهدت الساحة الإسلامية في هذه البرهة من الزمان عودة الى الجاهلية في أخطر أبعادها ومجالاتها وهو المجال الفكري والعقيدي، ولكن هذه المرّة في ثوب جديد، وفي صورة آراء ونظريات مدعومة ببعض البراهين، ومكسوة بثوب فلسفي قشيب.
ولم تكن هذه الظاهرة على ماهي عليه من النكارة لتشكّل خطراً على المجتمع الإسلامي بالغ الشدّة، لولا وقوعها وسيلة بأيدي السلطات الجائرة، التي كانت تستخدم تلك الآراء المنحرفة والعقائد الزائغة لتبرير مواقفها، وإضفاء طابع الشريعة على سياساتها الهدّامة، ونواياها الشريرة.
أجل، لقد اتسم مطلع القرن الثاني الهجري بظاهرة ظهور وتنامي معتقدات زائغة كانت تشكلّ خطراً جدّياً، وعظيماً على عقيدة الاُمة التي اكتسبتها وأخذتها من العقل، ومن آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول الأكرم محمد المصطفى(صلى الله عليه وآله) ومن كلمات أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، وترسّخت قواعدها وتجذّرت جذورها في أعماق الاُمة بفضل الجهود الجبّارة التي بذلها الرسول الأكرم والأخيار من أصحابه وطلائع الاُمة من الأئمة الأبرار.
على أن هذه الظاهرة لم تأت بالصدفة، وبين عشيّة وضحاها طبعاً، ولا من دون أسباب خاصة.
فقد نشأت عوامل وأرضية ظهور الاتجاهات المنحرفة ـ في الحقيقة ـ في أعقاب الفتوحات المتلاحقة التي تمّت من دون تحسّب لمخاطر وآثار هذه الفتوحات التي كانت تتمثّل في دخول العقائد والاتجاهات الفكرية الغريبة عن طريق الأسرى والسبايا الى الساحة الاسلامية، وفرض نفسها على ذهنية الاُمة، في غياب مراجع الاُمة الفكريّين وقادتها الحقيقيين الذين اختيروا من قبل الله بعناية بالغة، وزوّدوا بالمعارف العميقة والواسعة[2].
على أنّا لا ننكر مزايا الفتوحات وثمارها الطيّبة، إلاّ أننا ومعنا كل متتبع منصف، لا يستطيع تجاهل آثارها السيئة المتمثلة فيما ذكرناه سلفاً، خاصة أن بعض هذه الفتوحات اقترنت بالقهر والعنف الذي أورث حقداً، واستتبع كيداً من الاُمم المقهورة المغلوب على أمرها، وبخاصة لدى أرباب أديانها، وقادتها الروحيين والدينيين، ونعني أحبارها ورهبانها.
ولقد تسبّب هذا ـ كما يتضح لمن يتتبع التاريخ ـ في حدوث خلط وتخبّط في مجال العقيدة بدأت وظهرت بوادره بصورة خفيفة من أواخر المنتصف الأوّل، وتفاقم أمرها قليلاً قليلاً مع إشراف القرن الأول على الانتهاء، وتنامى ـ الى جانب آراء اُخرى حديثة الظهور ـ في المنتصف الأوّل من القرن الثاني الهجري.
ولقد ساعدت على ذلك عناصر من الذين ضُربت مصالحهم، وفنّدت أفكارهم، ممن كانت لهم الكلمة الاُولى في الجزيرة العربية وما حولها من اليهود والنصارى، خاصة، وأقطاب المشركين الذين تلفعوا برداء النفاق.
كما ساهمت في إذكاء هذه الفتنة العقائدية والتعجيل في ظهور هذا الإنحراف العقيدي والحكومات الجائرة وغير الشرعية التي كانتترى من مصلحتها تقوية ما يُبرر تصرفاتها الشخصية وسياساتها العامّة، من العقائد الزائغة كالاُمويين الذين كانوا يؤيدون الجبرية، ويكافحون القدرية بمعنى نفي الجبر، أو يؤيدون المرجئة الذين كانوا يبيحون للناسـ بحكم عقيدتهم في مرتكب الكبيرة ـ ارتكاب الفساد في مأمن من العقاب أو التشنيع في الدنيا، أوكان من مصلحتها اشغال الاُمة بالأبحاث الساخنة، وضرب بعضها بالآخر في تنازع عقائدي عقيم في أكثر الأحيان، لتبقى السلطات والحكام الجائرون المتغلّبون في مأمن ومنأىً من اعتراضات الناس وانتقاداتهم، وثوراتهم!!
ولربما كان تنامي هذه الآراء والأكفار وما تبعه من التنازع والتصارع، والجدل الساخن بدافع من هوس بعض الحكام الذين رأوا في هذه الحوارات الساخنة والحادّة متعة ولذّة، كما تدلّنا على ذلك شواهد من التاريخ .
ونؤكد على أنه كان لإقصاء وتغييب المرجعيات العلمية والفكرية الأصيلة المتمثلة في سادة أهل البيت عن الساحة الاجتماعية، وضرب الطوق عليهم، أكبر الأثر في تواجد وتنامي هذه الاتجاهات الغريبة، وهذه الآراء المضادة للنظام العقيدي الإسلامي، وهذا الأمر يحتاج طبعاً الى دراسة واسعة وبحث طويل للوقوف على حقيقة ما قلناه.
وللمثال نقول: ربّما كان لأئمة أهل البيت(عليهم السلام) اُسلوب آخر، غير الفتوحات العسكرية والدموية لنشر الإسلام وبثّ تعاليمه في شعوب العالم آنذاك.. اُسلوب لا يقترن بذكريات وخواطر مرّة، بل يقترن بذكريات جميلة، اُسلوب ليس هدفه إلاّ نشر العقيدة لا بسط النفوذ، الأمر الذي يورث عادة الاحقاد والضغائن.. اُسلوب كان أثره عميقاً ونقياً وخالداً في النفوس والضمائر لأنه يقوم على الحجة والدليل، لا على السيف والقهر الذي من شأنه أن لا يقترن بالقناعة، والذي يكون بدوره متزلزلاً لا مستقراً، لأنّ العقيدة ما لم تنشأ عن قناعة نفسية وقبول وجداني، لا تنفذ الى الأعماق، ولا يكتب لها البقاء والدوام، لأنه لا ترتاح اليها الأفئدة، ولا تستريح اليها النفوس.
لقد كان اُسلوب الأئمة من أهل بيت النبوة في نشر العقيدة، ومعالجة مسائلها، يعتمد على الحوار الحُرّ، والمناقشة العلمية المصحوبة بالاحترام المتقابل، والاقناع العقليّ، وإلزام الطرف الآخر بما التزم به، بعيداً عن السباب والشتائم، والاحتقاد والازدراء بأحد أو بمعتقد.
وفي هذه الحالة فقط يقترن الاعتناق بالصدق، والاعتقاد بالجدّ، والقبول بالإخلاص، وإلاّ لاقترن بالنفاق والتظاهر والمراوغة والتزوير والتربّص لتوجيه ضربة انتقام.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مهند أحمد اسماعيل
مشرف عام


عدد الرسائل : 4437
العمر : 41
تاريخ التسجيل : 09/07/2008

مُساهمةموضوع: رد: الامام جعفر الصادق عليه السلام فكرا وعقيدة في حلقات   الخميس يونيو 18, 2009 1:28 am

أبرز الاتجاهات الفكرية الزائغة في مطلع القرن الثاني

لعلّ الجبرية كانت هي أبرز ما تنامى في مطلع القرن الثاني الهجري، واشتدّ دورها، وتفاهم خطرها لشدّة الدواعي اليها، وان كان بروزها يرجع الى ما قبل هذه الفترة بأعوام أو بعض العقود.
فالجبر الذي من شأنه أن يُبرّر عمل الخاطئين والعصاة، ويلقي بالمسؤولية واللائمة على الله سبحانه لا على مرتكبي الذنوب ومقترفي المعاصي يعتبر أفضل وسيلة بأيدي السلطات الجائرة لتبرير ممارساتها الظالمة بحق الرعايا والشعوب.
على أن تاريخ الجبر يعود ـ على الأقل ـ الى ما قبل مجيء الإسلام أي الى «العهد الجاهلي» .
فقد كان الجاهليّون الذين تعرّفوا على هذه الفكرة يبرّرون كفرهم ، وإشراكهم للأصنام في الاُلوهية والربوبية والعبودية مع الله بادّعائهم أنهم مجبولون ومجبورون على الشرك من جانب الله، وانّه لا خيار لهم في ذلك كما قال الله تعالى حاكياً عنهم: (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا)[3].
واستمرت هذه الفكرة ورواسبها في نفوس البعض حتى من كبار الصحابة والصحابيات[4].
رغم أن القرآن الكريم كافحها ضمن آيات عديدة فنّدت فكرة الجبر، ونفت أن يكون الله قد جبل أحداً على الكفر أو أجبره على المعصية والإثم، وأكدت على أن الإنسان حرّ في أفعاله، ومختارٌ في تصرفاته، ولذلك يتحمل المسؤولية الكاملة عن أعماله، فيُثاب أو يعاقب بموجبها.
ثم اتخذت عقيدة الجبر وأن الإنسان مسيّر وليس بمخيّر كوسيلة لتبرير بعض السياسات التي كانت السلطات الاُموية تمارسها، فكان معاوية أول من اتخذ ذلك عقيدة بصورة رسمية حيث زعم أن الله يريد أفعال العباد كلها[5]. ولما سُئل عن سبب تنصيب ولده «يزيد» خليفة على رقاب المسلمين قال: أن أمر يزيد قضاءٌ من القضاء وليس للعباد الخيرة في أمرهم[6]!! وبهذا نفسه أجاب عبدالله بن عمر لمّا استفسر من معاوية عن تنصيبه يزيد خليفة، إذ قال: إنّي اُحذّرك أن تشقّ عصا المسلمين وتسعى في تفريق ملأهم وأن تُسفك دماءهم، وأنّ أمر يزيد قد كان قضاءً من القضاء وليس للعباد خيرة من أمرهم[7]!!
والى هذه القضية التاريخية أشار الدكتور أحمد محمود صبحي في كتابه «نظرية الإمامة» حيث قال إنّ معاوية لم يكن يدعم ملكه بالقوة فحسب، ولكن بأيديولوجيّة تمسّ العقيدة في الصميم، ولقد كان يعلن في الناس أن الخلافة بينه وبين علي(عليه السلام) قد احتكما فيها الى الله فقضى الله له على «عليّ»، وكذلك حين أراد أن يطلب البيعة لابنه يزيد من أهل الحجاز أعلن أن اختيار يزيد للخلافة كان قضاءً من القضاء ليس للعباد خيرة في أمرهم، وهكذا كاد أن يستقر في أذهان المسلمين، أن كل ما يأمر به الخليفة حتى ولو كانت طاعة الله في خلافه فهو قضاء من الله قد قدّر على العباد[8]!!!
بل ونسبوا مصرع الإمام الحسين في كربلاء الى ذلك أيضاً[9].
ولهذا السبب أيضاً كمّوا أفواه الذين كانوا يُصرحون بأن الناس مخيّرون، وأنه ليست الحكومات الظالمة شيئاً قدّره الله عليهم، وأنه ليس لهم الخيار في رفضها، بل وجلدوا وقتلوا أشخاصاً من كبار الشخصيات والتابعين كالحسن البصري[10]، وابن اسحاق[11] وغيلان الدمشقي[12]ومعبد الجهني[13].
وللأسف اختُلقت أحاديث توفّر الغطاء الشرعيّ لهذا المعتقد على لسان رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ورغم كونها تخالف جميع الاُصول العقلية والنقلية التي تصرّح بأن الإنسان مخيّر، وليس بمسيّر، وأنه مختار في أفعاله وليس بمجبور، نقلها كبار المحدثين الأوائل في صحاحهم ومسانيدهم.
فهذه الروايات التي تقول بوضوح لا إبهام فيه أن كل ما يعمله الإنسان شيء قد فُرغ منه، وجرت به الأقلام، أي أنه من المقدّرات التي لامناص منها، وأن الإنسان ـ بحكم ذلك ـ يفعل ما يفعل لا بإرادة منه بل هو شيء جرت به المقادير، وأنه قد كتب عليه عمله كما كتب رزقه وأجله، فهو لا يزاد ولا ينقص، تفيد الجبر الصريح، والمحض والشامل لكل اُمور الإنسان وشؤونه حتى أفعاله وأعماله الحسنة أو القبيحة، وأنه مُيسّر لما خُلق له، فإن كان من أهل السعادة فهو يعمل للسعادة فقط، وإن كان من أهل الشقاء فهو يعمل للشقاء فقط[14].
وهذا لا شك يصبّ في مصلحة السلطات الجائرة التي تسعى لتبرير أعمالها، والإيحاء الى الناس بأنّ الوضع الاجتماعي لا يمكن تغييره أبداً لأنه شيء قد فرغ منه، فالظالم يجب أن يبقى ظالماً والمظلوم يجب أن يبقى مظلوماً، والقاهر الجابر يجب أن يبقى قاهراً جابراً، والمقهور المغلوب على أمره يجب أن يبقى مغلوباً على أمره.
كما أن هذه الأحاديث بمفادها تدفع بالعاصي والمذنب الى مواصلة مسيره المنحرف، لأنه يعلم سلفاً أنه اُريد له ذلك، وأنه غير قادر لا على تغيير مسيره ولا على تغيير مصيره.

الإمام الصادق في مواجهة الجبرية

وقد نهض الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) في مواجهة هذه العقيدة الفاسدة في سياق إحيائه لمفاهيم الإسلام الأصيلة وابطال البدع، فرفع في وجه هذه الفكرة لواء الاعتقاد بحريّة الإنسان واختياره في أعماله وتصرفاته، وأعلن بصوت عال عن عقيدة «البداء» التي تعني في حقيقتها أمرين:
أولاً: أنّ الإنسان مختار في أفعاله، وأن في مقدوره أن يغيّر مسيرة وسلوكه إن شاء وأراد.
وثانياً: أنّ الله تعالى ليس مغلول اليدين، فهو قادر على تغيير مصير الإنسان ومقدّره إن غيّر الإنسان سلوكه ونهجه، ومسيره.
وهو تعالى سيبدي للإنسان ما خفي عليه، ممّا كان الله يعلمه بعلمه الأزلي الذي لا تبديل فيه ولا تغيير ولا جهل فيه ولا ترديد[15].
وانطلق الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) في بيان هذا المعتقد والتأكيد عليه من القرآن الكريم والسنّة الشريفة اللّذين صرحا بكون الإنسان حراً في أفعاله، مختاراً في أعماله، وليس مجبوراً ومسيّراً.
فقد قال الله تعالى: (إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم)[16].
وقال أيضاً: (ذلك بأنّ الله لم يك مغيّراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم)[17].
وقال ثالثاً: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتّقوا لفتحنا عليهم بركات من السّماء والأرض ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون)[18].
وجاء في تفسير الدر المنثور عن علي(عليه السلام) أنه سأل رسول الله(صلى الله عليه وآله) عن هذه الآية: (يمحو الله ما يشاء ويثبت)[19] فقال: لاُقِرّنّ عَينَك بتفسيرها، ولاُقرّنّ عين اُمتي بعدي بتفسيرها:
الصدقة على وجهها، وبرّ الوالدين واصطناع المعروف، يحوّل الشقاء سعادة ويزيد في العمر، ويقي مصارع السّوء[20].
وغير ذلك ممّا يفيد أنّ فعل الإنسان مؤثّر في مصيره وأن الله يغيّر مصير الإنسان إذا غيّر الإنسان مسيره وسلوكه.
ولقد أكّد الإمام الصادق على مبدأ (البداء) في روايات قوية العبارة، صريحة الدلالة لتكون في مستوى عقيدة الجبر المنحرفة التي صار لها جذور عميقة في النفوس، بحيث صارت وكأنّها من عقائد الإسلام الأصيلة، واليك طائفة من هذه الأحاديث :
1 ـ عن هشام بن سالم عن أبي عبدالله (الإمام جعفر الصادق): ما عُظّم الله بمثل البداء أي بمثل الاعتقاد بالبداء[21].
2 ـ عن مالك الجهني قال: سمعت أبا عبدالله (الصادق) يقول: لو علم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فَتَروا عن الكلام فيه»[22].
3 - عن مرازم بن حكيم قال: سمعت أبا عبد الله (الصادق)(عليه السلام)يقول: ما تنبأ نبيّ قط حتى يقرّ لله بخمس خصال: بالبداء والمشيئة والسجود والعبودية والطاعة (اى لله تعالى)[23].
وغير ذلك من النصوص التي أكد فيها الامام جعفر الصادق (عليه السلام)على أهمية الاعتقاد بالبداء.
على أنّ الامام الصادق (عليه السلام) لم يغفل عن أن ينوّه بالمعنى الخاطئالذي قد يسبق الى بعض الافهام القاصرة، او يحاول من هو مؤيّدي الجبر إلقاؤه فى الاذهان وهو منافاة البداء مع العلم الازلي الإلهي فقال: «ان الله لم يبدله من جهل»[24] وقال: من زعم أن الله عزوجل يبدوله في شيء لم يعلمه أمس فابرأوا منه»[25].
كما انه (عليه السلام) لم ينس أن يحذر من الوقوع في خطأ آخر عند تفسير البداء، وهو كون الانسان مختارا اختيارا مطلقا كما ذهب اليه المعتزلة، حيث قال: في معرض الاجابة على سؤال من قال: هل الله فوّض الامر الى العباد: «الله أعز من ذلك»[26].
وهو يعني أن القول بأن للانسان الاختيار المطلق، وأنه اذا اختار عملا فليس لله مشيئة فيما يقوم به، وأنّه يعمل - بعد اختياره - خارج الاذن والمشيئة الالهية، تعجيز لله، وتحديد لقدرته المطلقة.
هذا، ولم يكتف الامام بالاصحار بمبدأ «البداء» في سياق مواجهة لفكرة الجبر الزائغة، بل صرح كذلك ببطلان الجبر اذ قال في الإجابة علي سؤال من قال: أجبر الله العباد على المعاصي؟، لا.[27]
وقال: ان الله أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثم يعذّبهم.[28]
وسأله آخر قائلا: جعلت فداك اجبر الله العباد على المعاصي؟ فقال: الله أعدل من أن يجبرهم على المعاصي؟ فقال: الله أعدل من أن يجبرهم على المعاصي ثم يعذّبهم عليها.[29]
ولم يقف الامام الى هذا الحدّ ـ بل نظراً لأهمية المسألة وبالتالي خطورة فكرة الجبر على الصعيد الفردي والاجتماعي والسياسي ـ شنّع على القائلين بالجبر قولهم بذلك، وحرم التردّد عليهم ومصاحبتهم فقال:
من زعم أن الله يجبر عباده على المعاصي أو يكلفهم ما لا يطيقون فلا تأكلوا ذبيحته، ولا تقبلوا شهادته ولا تصلّوا وراءه، ولا تعطوه من الزكاة شيئاً.[30]
هذه لمحة عابرة حول مواجهة الامام جعفر الصادق لفكرة الجبر الزائغة والتأكيد على المبدأ الاسلامي وهو حرية ارادة الانسان واختياره وقد توسّعنا فيها نظرا لأهيمتها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مهند أحمد اسماعيل
مشرف عام


عدد الرسائل : 4437
العمر : 41
تاريخ التسجيل : 09/07/2008

مُساهمةموضوع: رد: الامام جعفر الصادق عليه السلام فكرا وعقيدة في حلقات   الخميس يونيو 18, 2009 1:28 am

ولم يقتصر عمل الامام الصادق في صعيد مكافحة الاتجاهات الفكرية الزائغة واحياء المبادئ الاسلامية في ما ذكرناه وشرحناه بل كان له (عليه السلام)مواقف مماثلة مع اتجاهات خطيرة اخرى منها:

1 - المرجئة :

وهم الذين كان لهم رأي جدّ خطير في مرتكبي المعاصي يتلخّص في التركيز على مجرّد الايمان القلبي والتقليل من أهمية العمل بل وحذفه من قائمة الايمان حتى انهم قالوا: لا تضرّ مع الايمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة!!.
ومعنى هذا أنهم لا يشترطون العمل في تحقق حقيقة الايمان، ويعتقدون بأن مرتكب المعاصي مهما كانت كبيرة كترك الصّلاة والصوم بل وشرب الخمر واقتراف الزنا يكفيه أن يكون مؤمناً في قلبه.
فالايمان هو الملاك الوحيد لتحقق عنوان المسلم المؤمن مهما خُلي من العمل الصالح، بل وحتى لو اقترنت حياته بالمعصية.
ولا شكّ أن هذا بمثابة اشعال الضوء الأخضر لكل من يرغب في اقتراف المعاصي، وبخاصة من ذوي الأهواء والشهوات الجامحة كالشباب.
كما انه يصبّ في خانة الحكام الفسقة ويعزّز موقعهم ولهذا ساعدت السلطات الاُموية على ترويج هذه الفكرة، بعد تأييدها.
ولعل احجام الحسن البصري عندما سئل حول موقفه من هذه الفكرة وأصحابها، عن الاجابة السريعة هو تخوّفه من السلطات التي كانت تدعم هذه الفكرة[31].
وحيث إن هذه الفرقة والفكرة لا تقلاّن خطورة على الاُمة وسلوكها مضافا الى مضادتهما للمبدأ الاسلامي القائل: الاسلام اقرار وايمان وعمل، لا ايمان فقط، ولا عمل فقط، لذا فقد نهض الامام الصادق(عليه السلام)ضدّهما (اي فكرة وفرقة) يوم اشتد ساعدهما وصار لهما أتباع وانصار وللأسف حتى من كبار الشخصيات الاسلامية[32]!!!
وتركزّت مواقف الامام الصادق من هذه الفكرة والفرقة على ثلاث خطوات:
الخطوة الاولى: بيان حقيقة الاسلام والايمان وأبعادهما.
الخطوة الثانية: تطويق هذه الفكرة والفرقة بلعنهم واظهار النفرة منهم بهدف الحجر عليهم وعزلهم عن الامة.
الخطوة الثالثة: تحذير الناس من الاحتكاك بهم وبخاصّة الاولاد والشباب الذين كانوا اكثر تأثراً بهذه العقيدة الفاسدة.
أما في مجال الخطوة الاولى فنورد بعض الاحاديث التي أوضح فيها حقيقة الاسلام والايمان.
1 - عن جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد الله عن الايمان؟ فقال: شهادة أن لا اله الا الله، وأن محمدا رسول الله.
قلت: أليس هذا (اى الشهادة بالوحدانية والرسالة المحمدية والنطق بها لسانا) عمل ؟
قال: بلى.
قلت: فالعمل من الايمان؟
قال: لا يثبت له الايمان الا بالعمل، والعمل منه[33].
2 - عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (الصادق)(عليه السلام) قال: سألته (أي سألت الصادق) عن الايمان؟ فقال: شهادة أن لا اله الا الله والا قرار بما جاء من عند الله، وما استقرّ فى القلوب من التصديق بذلك.
قال: قلت: الشهادة أليست عملاً؟
قال: بلى.
قلت: العمل من الايمان؟
قال: نعم، الايمان لا يكون إلاّ بعمل، والعمل منه، ولا يثبت الايمان إلاّ بعمل[34].
3 - عن ابن البختري عن أبي عبد الله (الصادق) (عليه السلام) قال: قال رسول الله: ليس الايمان بالتحلّي ولا بالتمنّي، ولكن الايمان ما خلص في القلب وصدّقه الأعمال[35].
وأما الخطوة الثانية فنشير الى طائفة من الاحاديث التي لعن فيها الامام الصادق (المرجئة) واستنكر عليهم فكرتهم.
1 - عن يونس بن يعقوب عن أبي عبد الله (الصادق) (عليه السلام) قال «ملعون ملعون من قال: الايمان قول ولا عمل»[36] .
2 - عن الصادق (عليه السلام) انه قال: «لعن الله القدريّة، لعن الله الخوارج، لعن الله المرجئة، لعن الله المرجئة».
قال (الراوي): قلت: لعنت هؤلاء مرة مرة، ولعنت هؤلاء (اي المرجئة) مرتين؟!
قال: إنّ هؤلاء يقولون: إنّ قتلتنا مؤمنون فدماءنا متلطخة بثيابهم الى يوم القيامة»[37].
وهذا بناء على أصلهم الفاسد وهو أنه لا تضرّ مع الايمان معصية وان كانت قتل نفس معصومة مؤمنة.
وأما الخطوة الثالثة وهي تحذير الناس والشباب خاصة من الاحتكاك بهم ومراودتهم فنورد بعض الأحاديث الدالّة عليها.
1 - عن الفضيل بن يسار عن أبي عبد الله (الصادق) (عليه السلام) قال: لا تجالسوهم - يعني المرجئة - لعنهم الله ولعن (الله) مللهم المشركة الذين لا يعبدون الله على شيء من الأشياء[38].
2 ـ عن جميل بن دراج وغيره عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) قال: بادروا أولادكم بالحديث قبل أن يسبقكم اليهم المرجئة .[39]
3 - عن جميل بن دراج أيضاً عن أبي عبد الله (الصادق) (عليه السلام)قال:
«بادروا أحداثكم بالحديث قبل أن تسبقكم اليهم المرجئة».

2 - المعتزلة:

وقد ناقشهم الامام الصادق (عليه السلام) في جملة من القضايا[40] كما انه ردّ الناس عنهم ونهاهم عن اتباعهم[41].
3 - الزنادقة والملاحدة والطبيعيون: مثل أبي شاكر الديصاني وعبد الملك وابن أبي العوجاء وابن المقفّع، فقد ناقشهم الامام الصادق(عليه السلام) وأبطل معتقداتهم وفنّد افكارهم الفاسدة، وخيّب آمالهم في مواجهة القرآن ومفاهيمه العظيمة[42].
4 - الغلاة في رسول الله وعلي صلوات الله عليهما: فقد ردّ عليهم بشدة، وفنّد دعواهم[43].
5 - بعض ائمة المذاهب الاسلامية كالامام أبي حنيفة والقاضي ابي ليلى حيث أخذ عليهم منهجهم في عملهم الفقهي[44].
6 - الزيدية حيث ناقشهم في ما ذهبوا اليه من الامامة، ونبههم على خطأهم في هذا المجال.
وغيرهم، ممّن لا تسع هذه الرسالة كما لا يسع الوقت لذكرهم والدخول في تفاصيل ما دار بينه ((عليه السلام)) وبينهم .
على أن الامام الصادق (عليه السلام) قام بأكثر من هذا بنفسه، ولكنه ربّى الى جانب ذلك شخصيات علميّة قوية قامت الى جانب بالدفاع عن اصول الاسلام ومبادئه.
كما وألف هو وتلامذته وأصحابه كتبا في هذه المجالات لتكون مرجعاً فكرياً للاُمة ولشيعته خاصة من بعده.
هذا غيض من فيض من نشاطات الامام الصادق(عليه السلام) في صعيد مواجهة التيارات والأفكار، والاتجاهات التي اختطّت لنفسها عمدا أو جهلاً، عن قصد وعن غير قصد طريقا غير الطريق الذي رسمه الاسلام في حقل العقيدة وربما في بعض الحقول الاُخرى.
وقد استقطب الامام الصادق ونهجه في المنافحة عن حوزة الدين والعقيدة في الاغلب اهتمام العلماء واعجابهم كما وساعدهم على تصحيح افكارهم، وتعديل آرائهم والعودة الى جادة الحق والصواب عن رضى وقناعة.
فكان الامام جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام) بحق حارسا أمينا لشريعة جدّه المصطفى محمد صلى الله عليه وآله، بل والمجدّد دينه، والمحيي لتعاليمه، والمبقي على آثاره وهو الأمر الذي اعترف به الكثير الكثير ولم يصل الينا الا القليل القليل.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سقراط
مشرف عام


عدد الرسائل : 4740
تاريخ التسجيل : 06/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: الامام جعفر الصادق عليه السلام فكرا وعقيدة في حلقات   الخميس يونيو 18, 2009 4:06 am

بسم الله الرحمن الرحيم
يا علي مدد
أخي الروحي الغالي مهنّد
شكراً لك على روعة ما تُقدّمه في المنتدى من جمال
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مهند أحمد اسماعيل
مشرف عام


عدد الرسائل : 4437
العمر : 41
تاريخ التسجيل : 09/07/2008

مُساهمةموضوع: رد: الامام جعفر الصادق عليه السلام فكرا وعقيدة في حلقات   الخميس يونيو 18, 2009 4:31 am

كل آثار الإمام الصادق، مرتبطة إلى حد التلاحم بمآثره، وتراثه، وتاريخه، وبيئته، وتربيته ومحتده وأخلاقه. قد يكون الأثر متعارضاً مع المبادئ الأخلاقية والروحية، فيبرز الأثر وينطفيء الشخص.
دمتم لنا أخ سقراط
ومصر على أنكم صاحب القلب الطيب
ياعلي مدد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
رحيم ....
عضو بلاتيني


عدد الرسائل : 869
العمر : 44
تاريخ التسجيل : 22/03/2009

مُساهمةموضوع: رد: الامام جعفر الصادق عليه السلام فكرا وعقيدة في حلقات   الخميس يونيو 18, 2009 9:04 am

بسم الله الرحمن الرحيم
ياعلي مدد


قال الإمام الصادق (عليه السلام): التواصل بين الإخوان في الحضر التزاور والتواصل في السفر المكاتبة.


فشكرا وشكرا وشكرا لك على ماتقدمه إلى هذا المنتدى الرائع
الذي تغمره بتلك المعلومات القيمه أمدك إمام الزمان بالصحه
والعافيه فمن القلب أقول أدامك الله
والمولى يبارككم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مهند أحمد اسماعيل
مشرف عام


عدد الرسائل : 4437
العمر : 41
تاريخ التسجيل : 09/07/2008

مُساهمةموضوع: رد: الامام جعفر الصادق عليه السلام فكرا وعقيدة في حلقات   الأحد يونيو 21, 2009 6:21 am

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد
الأخ الروحي سقراط
الأخ الروحي رحيم
ان ردودكم تقريب للأيادي
وتراص في الصفوف
رغبة مولانا
المولى الكريم يديمكن جميع
شكرا للتواصل
ياعلي مدد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الامام جعفر الصادق عليه السلام فكرا وعقيدة في حلقات
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الباحث الإسماعيلي :: ساحة الحوار والتلاقي الفكري-
انتقل الى: