منتدى الباحث الإسماعيلي

موقع شخصي وغير رسمي
 
الرئيسيةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلقائمة الاعضاءالمجموعاتدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
المواقع الرسمية للاسماعيلية الآغاخانية

شاطر | 
 

 الروح في نصوص أفلاطون "الروح البشرية"

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
بائعة الكبريت
عضو ذهبي


عدد الرسائل : 75
تاريخ التسجيل : 09/10/2010

مُساهمةموضوع: الروح في نصوص أفلاطون "الروح البشرية"   الأحد مارس 06, 2011 6:08 pm

الروح في نصوص أفلاطون "الروح البشرية"

"الروح في التيمئس كما في سائر مؤلّفات أفلاطون، هي أصالةً مبدأ الحياة، أي مبدأ حركات منظّمة وموجّهة نحو غايةٍ معيّنة. فكلّ ما يحيا، أي كلّ ما يتحرّك في انتظام حركةً ذاتية، ما خلا العناصر، يحرز روحاً. وهذا لا يفرض حتماً أن تكون الروح ماثلة في كلّ أجزاء الأجسام الحيّة بالنسبة ذاتها.‏ بيد أن طبيعة الروح البشريّة لا تبحث في حوارنا هذا إلا على صعيد تربويّ وأخلاقيّ خصوصاً. أما الاعتبارات النفسانيّة فلا تشغل في عرض أفلاطون إلا محلاً زهيداً. فنظريّة الاحساسات مثلاً تبسط كلّها دون ذكر الروح، غير مرّةٍ واحدة في معرض الكلام عن السماع.‏
1 ـ أقسام الروح:‏
إن حوار التيمئس يُميّز ثلاث لا بل أربع أرواح مختلفة. فهناك أوّلاً "المبدأ الذي لا يموت في الحيوان المائت". وقد صوّره الصانع نفسه، ليودعه بعد ذلك في أيدي الآلهة الثانويّة، المكلّفة بصوغ الأجسام الحيّة. وهذا المبدأ، على كونه غريباً عن الجسد، يتحكّم مع ذلك في بنيانه، لأن وظيفة الجسد، الجوهريّة هي أن يخدم المبدأ الروحيّ بمثابة عجلة له. والحال أن العنصر الغير المائت من الروح البشريّة هو مماثلٌ كلّ المماثلة روحَ العالم. فهو كرويّ مثلها، وينطوي نظيرها على دائرة "الشيء ذاته" ودائرة "الآخر". وله على غرارها دوراته، بعض منها يتعلّق بالكيان، والبعض الآخر بالصيرورة. ولكن خلافاً لما يحدث لروح العالم، يتمكّن تأثير الأشياء الخارجيّة من الإخلال بتلك الدورات، وذلك على وجهين، لأن فيض الغذاء وجريان الاحساسات المتواصل يسبّب لدورات الروح البشريّة ضروباً وألواناً من التشويه والتشويش. بيد أن تركيب الروح البشريّة العليا، إذا ما استثنينا الأمور المشار إليها، هو ذات تركيب روح العالم.‏
وأفلاطونُ يعيد إلى ذهننا بصراحة أن الروح البشرية تنطوي على نفس الأبعاد وعلى ذات الواسطات، ويعنى بالعودة إلى ذكر قيمها. وفضلاً عن ذلك، فالنموذج السماوي يُحدث فيها ضرباً من الجاذبيّة. وقد انتصب الجسم البشري واستقام بتأثير تلك الجاذبية. وهذه الروح الأولى متّحدة بالجسد، مغلق عليها في الجمجمة، دُور صنعها عن قصدٍ لتتقبلها. وأكثر من ذلك هو أن الروح متحدة موضعياً بذاك القدم من النخاع، الموسوم في الهامة، ألا وهو الدماغ.‏
هذا ويصعب علينا القول بأنّ أفلاطون قد اعتقد بحقيقة تلك الدوائر التشريحية، الدائرة ضمن الجمجمة، طبقاً لحركات القبّة السماويّة. لأن الروح البشريّة، شأنَ روح العالم، هي غير منظورة، ولا يستطيع إدراكها إلاّ العقل. هذا ما سوف يقوله في الشرائع ولكنّ هذا لا يمنع أن تكون محتواه في الجسد. فلا نتطلب من أفلاطون تعليماً دقيقاً، (في هذا الصدد أو في غيره)، تباعد كل البعد عن إعطائه.‏
2 ـ الأرواح السفلى:‏
أما الأرواح الأخرى فهي من صنع الآلهة الثانويّة، وقد أولجوها في كل الجسم من الرقبة فما دون. وأفلاطون يطلعنا بدقة على موقع كل منها وعلى وظائفها. غير أنه لا يقول لنا شيئاً عن تركيبها.‏
فالأولى واقعة في الصدر فوق الغشاء الحاجز. وهي مقر الغضب والحماسة وما إليها من المشاعر المماثلة. وانفصالها عن الروح غير المائتة ليس انفصالاً مطلقاً، إذ يمكنها الاتصال بها عن طريق برزخ العنق، ومن ثمّ فهي تقبل التأثير بفعل العقل.‏
أمّا روح التغذية، فهي على عكس ذلك، مفصولة أتمّ فصل بحاجب الغشاء الحاجز عن الروحين العلويّتين. إنها مربوطة بسكنها فوق السرّة، كما يُربط البهيم الأعجم إلى معلفه. وليس لها رأي أو تعليل أو فهم. فتلبث من طبعها أبداً هامدة خاملة. وهي مقرّ شهوة الشرب والأكل والرغبة واللذة والألم. ولكنها تتمكّن، بفضل الصور المرتسمة على سطح الكبد الأملس، بعض التمكّن، من الاتصال بالروح العليا. وهي التي تحبونا بالأحلام والمشاعر المسبّقة وأشكال الوجدان الغامضة الأخرى.‏
ومجال فعل هذه الروح يتوقّف عند السرّة. إذ ليس من تحتها سوى تضاعيف الأحشاء الملتف بعضها على بعض، وحيثُ ليس من قوّة نفسيّة عاملة على ما يبدو. ومع ذلك، حتى في تلك البُقعة المحرومة نجد روحاً، لا بل كائناً جديداً حياً مستقلاً، مرتبطاً بالمِنى، ومستعصٍ كلّ الاستعصاء على تدخّل العقل.‏
وبالتالي، يبدو أن هناك فارقاً في الطبيعة بين الروح غير المائتة وبين الأرواح السفلى. فمن جهة مبدأ حركات منتظمة تعرّفها حدود رياضيّة، مبدأ كلّه نظام وكله جمال، ومن جهة وظائف عضوية غامضة بهيمية، كأن الفكر والانسجام قد غربا عنها. بيد أن التواصل لم ينقطع فيما بينها انقطاعاً تاماً. إذ يبقى حتى في أحط الغرائز شبه انعكاس بعيد عن الحياة الأبدية. هذا، ولا يبغي أفلاطون أن يضحّي حتى بأشكال الحياة الدنيا. فكل روح أو نفس لها مجالها الخاص ووظائفها الضرورية. وهناك سنة شاملة على الإطلاق، تفرض على كل تلك الأرواح أن تحافظ على كيانها، وأن تنميه بالممارسة والمثابرة على العلم، إذ بدونها يفسد طبع تلك النفوس وينحطّ لا محالة. والروح الغير المائتة ذاتها تزداد قوة بالترّوض العقلي والتفكير. وهي على عكس ذلك تداني العدم أو تكاد إذا ما استسلمت للأهواء. فخلودنا ليس نهائياً، وفي وسعنا أن نفقده بتوانينا. ومن ثمّة علينا أن ننمي كلّ أرواحنا على السواء، وأن نعنى كذلك بمواهب جسدنا على اختلافها.‏
3 ـ الحوارات الأخرى ومصاعب هذا التعليم.‏
إن المعلومات السابقة تتّفق إجمالاً وما توفّر لنا منها حوارات فيذُن وفيْذرُسْ والجمهوريّة. بيد أن تلك الحوارات على خلاف التيمئس، لا ترمي إلا إلى القسط الخالد من النفس. ولكن التيمئس، شأن الباب العاشر من الشرائع، يقول بتقدّم الروح في الوجود على الجسد. وفي الوقت ذاته يفرض أنها مولودة مثله أما حوارات فيذَن وفيذّْرُس والجمهورية فهي تتضمن على عكس ذلك، أزليّة الأرواح كشرط للتذكر. هذا، ويُضيف حوار فيْذْرُس أن تجسّد الأرواح نتيجة لسقطة وعقابٌ على زلّة. فتعليم فيذْرُس ينطوي على اتحاد الروح بالألوهة اتحاداً أصليّاً، ثم على انفصالها كعاقبة للخطيئة.‏
وعلى النحو عينه، يبدو أن فِيلفُس يقول إن نفسنا قد استمدّت كيانها من (الروح الكليّة): "من أين جسدنا قد اتخذ روحه، لو لم تنعش الروح جسم العالم بالذات؟" أما في التيمئس فنحن لا نعثر بعد على شيء من هذا، كما لا نعثر عليه في كتاب الشرائع. فهل تبدّلت اعتقادات أفلاطون؟ وهل عدل الآن عن نظريّة التذكر وعن أزلية الأرواح؟ ألم يكن في ذلك سوى رمزٍ جميل، لا فائدة منه في مصنف علمي؟‏
من الصعب جداً أن نعرف هذا الأمر. ولكن في النهاية، ما يهيمن على كل تعليم أفلاطون بشأن الروح البشرية، هو شعورنا بأن عقل الإنسان، في قيامه بوظائفه السامية متّحد مباشرة بالله. وبأي عملية أو حيلة يبلغ إلى ذاك الاتحاد؟ إن أفلاطون لا يطمح إلى تفصيل هذا الأمر واطلاعنا عليه. بل يكتفي بأن يوقظ فينا، باختياره اختياراً واعياً صوراً نبيلة، ذاك الاشتياق الواله والظمأ غير المرتوي إلى مصير أسمى،هو غاية البشرية القصوى.‏
والسيد روهده E. Rhode يشير إلى صعوبة مماثلة، في تحليل جميل استعرض تعليم أفلاطون في قضية الخلود. ففي التيمئس وكتاب الشرائع، الروح هي قبل كل شيء مبدأ حركة. ولكن حركة الروح الخاصة تظهر لنا في التيمئس على وجهين متباينين جداً. فمن جهة، هي حركة حيّ محرّكة الروح وأداته الجسد. وهذه الحركة منظورة محسوسة تقيّدها مجموعة معينة من الأعضاء والوظائف الجسدية. ومن جهة أخرى، هي حركة الفكر الرامية إلى أمور عقليّة محضة، تخالطها وتتعرّف عليها (التيمئس).‏
فأي علاقة يمكن أن توجد بين هاتين الحركتين؟ وكيف يستطيع أفلاطون في كتاب الشرائع أن يتكلم عن (دوران) العقل؟ فهل هذا مجرّد استعارة؟ أو ربما بالأحرى شعور عميق بوحدة الأشياء، وبالانسجام الباطني الرابط بين نظام الجسد ونظام الروح؟ فالعناصر المكوّنة للجسد أليست هي نفسها المكوّنة للعقل؟ الشيء ذاته والآخر، النظام والإخلال به، كل هذه الأمور متصلة في كل مكان، مختلطة، إلا على حدودها القصوى المثاليّة، حيث يستقر الخير الصافي من جهة والصيرورة المتقلّبة أبداً من جهة أخرى.‏
4 ـ التقمّص:‏
أحد العنصرين اللذين تتركّب منهما الروح البشرية خالد، والآخر هالك فانٍ. والواحد صُنع المبدع، والآخر من إنتاج الآلهة الثانوية. فيكلّمنا التيمئس عن قسم من الروح مائت، وجوده نتيجة اتحاد الروح الخالدة بجسد مائت. واتحاد الروح والجسد ينجم هو ذاته عن مجرى نواميس حتميّة أطلع عليها المبدع عبيده وكلّفهم بها. فهو يحدث كنتيجة لفعل إرادة الآلهة. والروح أوّل مرة خضعت لسنّة التجسّد. لم تتدخّل قط في اختيار جسدها، الذي حلت فيه. وهذا ما يسميه أفلاطون (المولد الأول).‏
ولفرط تدنّي الروح الخالدة في هبوطها هذا تفقد عقلها إلى حين. إلا أنها تستطيع من بعد، بالتثقّف وممارسة الأبحاث العلمية، أن تستعيد هي ذاتها نظام حركاتها المتشوّش فترةً من الزمن. إن هذه الفكرة مأنوسة لدى أفلاطون. غير أن التجسد الأول ستعقبه تجسدات متتابعة، لا تتدخل فيها الآلهة، بل تتعلق فقط بالسيرة الصالحة أو الطالحة التي تنهجها الأرواح البشريّة في هذه الدنيا. لأن هناك بعض التجانس والتقارب بين الصورة التي يتّخذها البشر في حياتهم الجديدة، وبين سلوكهم على الأرض. وفعلاً في ولاداتها الجديدة تستطيع الأرواح البشرية أن تعود وتتجسّد في أجسام بهائم من كل نوع، حتى في أجسام الأسماك والرخويّات (كالحلزون والمحارات وما إليها). إن أفلاطون لا يتكلّم، شأن أمبْذُكْلِيس، عن تجسّد جديد من النبات. وإذا استثنينا هذا الأمر، فهو يعرض لتعليم تجدّد الولادة في شكله الأعم. وأجسام كل الحيوانات بلا استثناء، تبدو قابلة لإيواء الأرواح البشرية الساقطة.‏
إن تأكيداً كهذا يبدو مناقضاً لنصوص عدّة في حوارٍ فيذْرُس والجمهوريّة. فطبقاً لتعليم فيذْرُس، روح حيوانية، بمعنى الكلمة الحصري، لم تشاهد قطّ الحقيقة، لا تستطيع أن تحيا في جسد إنسان. ومن ثمّ ألا يجب، مقابل ذلك، القول بأن روحاً بشريّة، ولو ساقطة، لا تستطيع هي أيضاً أن توجد وتعيش في جسم حيوان؟ لاسيّما وإن ما يميّز الإنسان تمييزاً خاصّاً، هو وجود الروح العليا فيه، تلك الروح التي صوّرها المُبدع بذاته، أي الذيْمُن (الملاك أو الجنّي) والبْسخِي (النفس) واللُوْغُيسَ (النطق والعقل). والحال أن هذه الموهبة والخلّة، البشرية في جوهرها، مفقودة في الحيوان.‏
ومع ذلك، إن كان التقمّص في شكل حيوان عقاباً، فهذا العقاب لا ينال إلاّ النُوْس (أي الإدراك والفهم والروح العاقلة). فكيف قد يتمكّن العقل، الغريب برمّته عن الطبيعة الحيوانيّة، أن يقطن فيها ولو برهةً واحدة؟‏
إن تلاميذ أفلاطون قد لاحظوا تلك الصعوبة. وابْرُكْلُس يعلمنا بذلك. غير أنهم لم يتوفقوا إلى إيجاد حلّ ملائم لها. وقد ادعى بعضهم أن النفس الروحيّة، وهي متماثلة في كل مكان، لا تنشط ولا تعي ذاتها دوماً بالنباهة عينها. ومن ثمّ فهي تتدنّى أحياناً وتغفو بحيث لا تستطيع أن تنعش وتحيي جسم إنسان. فهذه كانت ربّما فكرة أفلاطون. ولكنّه لا يبديها بدقة في مقام ما من مؤلّفاته.‏
وقد اقترح رُوهِده E. Rohde افتراضاً آخر. فهو يرتأي أن أفلاطون قد ردّ، في أواخر حياته، كل محتوى الروح إلى موهبتها العقليّة، وزوى في الجسد كل الوظائف النفسيّة الأخرى. غير أنه في تلك الحال كان مضطرّاً إلى العدول عن نظريّة تجدد الولادة. ولا يكون قد حافظ عليها في التيمئس إلا من باب الأمانة العفويّة لآراء الأرْفِيّين وأمبذُ كْليس، وبسبب فوائدها العمليّة أيضاً، وما قد يجهله مثل هذا التعليم من تأييد للحقائق الأخلاقيّة.‏
إلاّ أن التقليل من أهمية الاعتقاد بالتقمّص هو تنكّر لروح الأفلاطونيّة بالذات. فمهما كانت قيمة الأسطورة التي تعبّر بالصورة عن ذاك الاعتقاد، فالإيمان بتقدّم ممكن تحرزه الأرواح أو تدنٍّ محتمل تنحدر إليه، والثقة بمجهود العقل ليسيطر على الغرائز السفلى، كل هذا عنصر متميّز راسخ من فلسفة أفلاطون. وما هو صحيح، على ما أشار إليه رُوْهدِه، هو أن التعليم الأفلاطونيّ في الروح يُفسح المجال لمعطيات كثيرة تختلف في منشإها وطبيعتها. فأفلاطون يمزج ويصهر في بوتقة واحدة الاعتقاد الأُرفيّ والبِثَغوريّ القديم ونظريّة في الروح أحدث عهداً (ترى فيها أيضاً) مبدأ الوظائف الجسديّة. التيمئس في هذا المضمار يوفّر لنا أول تصميم، كامل جداً حتى من ذلك الوقت، لكل المذاهب المتعلّقة بروح الإنسان. وسوف تُهيمن تلك المذاهب على الفلسفة، من عهد أرسطو إلى عهد ديكارْت، ثمّ عهدِ اسْبِنُوزا فلايْبْنتِز.‏
5 ـ اتحاد الروح والجسد:‏
إن أفلاطون هو ربما أول من طرح مشكلة اتحاد الروح بالجسد. فكما أنها تظهر في مظهرين متباينين، فهي مزمعة أن تتّحد به أيضاً على وجهين متميّزين. والروح بصورة عامة إن كانت أقدم من الجسد وأكمل، فهي لا تختلف عنه في الجوهر. فتركيب جسم العالم مثلاً هو أقل نقاءً فقط من تركيبها. بيد أنها تتضمّن عين العناصر المكوّنة، إذ يكمن في الروح ذاتها جوهر الأجسام القابل التقسيم. وبالتالي يشبه اتحاد الروح بالجسد ضرباً من الخليط، تُخلط فيه عناصر كيميائية متجانسة.‏
على أن العقل، ومنشؤه إلهيّ، يُعارض الجسد وفي آنٍ واحدٍ الأقسام السفلى من الروح. والجسدُ حيث يلج، هو لـه سجن ومنفى ومكان محنة، وأيضاً (عجلة) معدّة لنقله. لكنّه يلبث غريباً عنها" (طيماوس ـ 123 ـ 132).‏
ثمار التجربة الأفلاطونية:‏
لقد اخترنا تقديم هذا العرض الشامل عن الروح في النصوص الأفلاطونية الذي قام به الأستاذ ألبير ريفو لكي تتاح الفرصة أمام القارئ لتلقي المعلومات من أكثر من مصدر محايد في كل مسألة، حتى وإن كنّا لا نتفق في الرأي أو الاستنتاج مع صاحبها، لأنّ هدفنا كما هو هدف القارئ المعرفة المجردة عن الغايات الشخصية والعقائدية التي تدفع صاحبها للتعصب والتحريف، وتصيّد أخطاء الآخرين، لتوظيف الأفكار لخدمة هدف محدد دون مبرر أخلاقي. ولأن الطامح للكمال يحزن لأخطاء أخوته في الإنسانية كما يسعده صَوابهم، ويثني عليه، لأنّ كلّ نجاح للإنسان في مكان لابدّ أن يصل ذات يوم إلى البشرية، وكلّ فشل وضلال وانحراف وشر لابدّ أن يصل إليها أيضاً وينال من عزيمتها وطموحها. ولهذا فإنّ الباحث عن الحقيقة، عن النور الذي بذل سقراط وأفلاطون وغيرهم حياته في سبيله، لا ينصب الفخاخ لتصيّد أخطاء الآخرين، لأنّهم لم ينجحوا دائماً في الوصول إلى ضفاف الحقائق. ورغم أنّ الحيادية حزبية، ولا يجوز أن تعني التجرد عن المواقف، إلاّ أنها كتجرد القاضي العادل عن إبداء أي حكم مسبق قبل معاينة الأدلة، والاستماع إلى الشهود وهو في النهاية لابدّ أن ينحاز إلى جانب الحقّ. فهذه هي الحيادية التي نتوخاها من خلال بحثنا عن الحقيقة، لننحاز في النهاية إلى الصواب بالاستناد إلى الأدلة التي نملكها. وإنّ الأدلة التي بين أيدينا تكشف عن الأخطاء التي وقع فيها أفلاطون وهو يحاول أن يستكشف طبيعة الروح والألوهية. لقد نجح في بعض الأحيان، إلاّ أنه فشل عندما أراد أن يفهم الروح والألوهية بأدوات العقل. لأن العقل يستطيع أن يفهم النظام وأن يستنتج وجود منظم وراء النظام، ولكنه لا يستطيع أن يبصر الماهيات وباطن الحقائق المادية. وهذا وإن أشار إليه أفلاطون، إلاّ أنه لم يلتزم به لتفسير ما لا يُدرك بغير الروح، وربما توهم أنه امتلك هذا الإدراك والمعرفة، كما حدث ويحدث مع كثير من المفكرين والمتصوفة الذين دافعوا عن قضايا لا وجود لها إلاّ في تخيلهم فبدت إليهم كالحقائق، ومنها اعتقاد البعض بدوران الكون حول الأرض، ورفضهم للفكرة المعاكسة، لاعتقادهم أن هذا الدوران توجبه وتفرضه قناعتهم بمركزيّة الأرض في الكون وكأن مكانة الإنسان في الكون مرتبطة بهذا النوع من الدوران. ولكن إذا كانت أوهام أفلاطون وخياله قد صوّروا لـه بأنّ ما تخيّله هو الحقيقة، فهل يمكن أن يقع في كل هذه التناقضات دون أن يشعر بذلك؟، ودون أن ينتبه إلى أنّه سيعرّض جميع أفكاره للنقد والسخرية في مجتمع ممتلئ بالفلاسفة والمتفلسفين الذين سيكشفون عن تناقضاته لينالوا منه، وهو الخبير بفنون التوليد والمنطق.‏
فهل يمكن لأفلاطون أن يقدّم المبرّرات لخصومه للهجوم عليه والنيل منه بهذه السهولة دون أن يدرك حجم التناقضات التي أوقع نفسه فيها، ودون أن يعمد لإصلاحها؟. إنّ مستوى أفلاطون المعرفي يدفعنا للشك في ذلك، وإن كانت نصوصه التي وصلتنا لا تدع أي مجال للشك في عيوبها والثغرات التي فيها. فكيف يمكن أن نوفّق بين ثقتنا بخبرة أفلاطون، ونقص معرفته؟. أو هل يمكن لمن يعرف أن لا يعرف؟.‏
ربّما وأقول ربّما لأنّنا لا نملك الدليل، وإنّما الاستنتاج المبني على المنطق، ربّما لأنّ ثقافة أفلاطون وخبرته كما هو حال أي مفكّر آخر، كانت في تطوّر مستمر، وكان كلّ كتاب يكشف لنا عن إشارات معرفيّة جديدة، كما كان يكشف بالنسبة للنّقاد عن تناقض معيّن بين المرحلة الجديدة والمراحل التي سبقتها. وحتى هذه المراحل بين كلّ كتاب وما تلاه اختلف النقّاد حولها. وهذا الاختلاف والغموض يفقدنا القدرة عن معرفة تسلسل الإنتاج الأفلاطوني، وبالتالي آخر المعتقدات التي وصل إليها لكي ننظر إلى فكره من خلالها. فالغزالي مثلاً قبل فترة التأمّل هو غير الغزالي بعدها. ومعرفة تسلسل إنتاج أفلاطون ضروري لفهمه والحكم عليه، وهذا ما نفتقده بشكل يقيني. وإن اتّفق بعض الكتّاب، ومنهم قسطنطين رتر (1888)، ولوتسلافكي (1897)، وجومبرز (1902)، وناتورب وريدر (1903) "أنّ حوارات أفلاطون الأخيرة الخمس قبل الشرائع هي: السفستي والسياسي وفيلفُس وتيمئس واكْرَتِيسَّ" (94). ولكن هل هذا الاستنتاج هو اليقين الذي سيحول دون صدور آراء أخرى، ما دام لا يوجد دليل عليه؟. ثمّ هل وصلتنا كل نصوص أفلاطون دون أن يضيع منها أيّ شيء، أو بعض الصفحات؟. لا توجد إجابة حاسمة، وسيتساءل ألبير ريفو، أليس من المحتمل "أنّ أفلاطون سبق وألّف حواراً، ضائعاً اليوم، عاد فيه إلى ما عالج من موضوعات في الجمهوريّة بعد أن بدّل فيها وغير الأشخاص؟ ولكن لم يأت أحد من الكتّاب الأقدمين على ذكر هذا المؤلّف" (95). وبسبب الخلاف حول تاريخ نشر الثئيتتس، والتفاوت في أفكاره، وعدم نضجها، قال دييس "إنّ أفلاطون لم يحظ بمتّسع من الوقت لإنهاء هذه التحفة الأدبيّة. وإن كانت الأحوال تستحثّه للمضيّ إلى صقلية، ترك القسم الثاني على حالته التخطيطيّة ونشر الحوار بجملته" (96). هذه الملاحظات التي أبداها النّقاد تدلّنا، بأنّ أفلاطون إضافة لصعوبة معرفة تسلسل كتبه لمعرفة ما تغيّر في أفكاره، تؤيّد أيضاً احتمال ضياع بعضها، ونشر بعضها قبل نضجها. وهذا وإن كنّا لا نتوقّع أن يفعله أفلاطون، إلاّ أنّ تلاميذه فعلوه على الأغلب بعد وفاة أستاذهم. وهذا كلّه سيدخل اضطراباً كبيراً على الفكر الأفلاطوني. ولكن الناقد والقارئ مضطرّان للحكم على أفلاطون من خلال نصوصه، وإن كان أفلاطون الحقيقي غير أفلاطون في النص. وإذا أردنا أن نحكم عليه من خلال بعض المعطيات، فإننا نرى بأنّه قدّ شق طريقه إلى النبوّة بأن حاز على علامة منها، كما أشرنا. كما أنّ مثال الكهف والظلال والحقائق تدلّ على معرفة روحيّة عالية، وإن كانت غير مفهومة لكل إنسان. وقد تحدّث عن مثال هذا الموضوع الشيخ محيي الدين بن عربي في كتابه الفتوحات المكيّة. وقد جمعنا أهمّ هذه النصوص في كتابنا "الرؤيا بين الوهم والحقيقة" تحت عنوان "نصوص للشيخ محيي الدين بن عربي عن الرؤيا والخيال". وعند المقارنة بين إشارات أفلاطون إلى الظلال كخيال للحقيقة، وإشارات بن عربي حول هذا الموضوع، سنعرف المستوى الروحي العالي الذي بلغه أفلاطون. وقد اعتبره عبد الكريم الجيلاني من الأحياء الذين لا يموتون لأنّه شرب من ماء الحياة الموجود في مجمع البحرين، كما أنّه هو الذي دلّ الخضر على مكان هذا البحر. وهذه إشارة إلى المعرفة الروحيّة العظيمة التي بلغها أفلاطون، وإن كانت لا تتّفق مع منطق التحقيقات النقديّة والحسابات التاريخيّة لتسلسل الحوادث. وقد أشار الجيلي إلى رمزيّة هذه الحوادث بعد أن روى قصّة الخضر مع أفلاطون لكي لا يظن النّقاد أنّه يحدثّهم عن التاريخ. فقال عن "مجمع البحرين" اعلم أنّ عين الحياة مظهر الحقيقة الذاتيّة من هذا الوجود، فافهم هذه الإشارات، وفك رموز هذه العبارات، ولا تطلب الأمر إلاّ من عينك بعد خروجك من أنيّتك لعلّك تفوز بدرجة، (أحياء عند ربهم يرزقون(" (97) . وبعد هذا التنويه بما تقتضيه قراءة نص الجيلي الرمزيّة عن أفلاطون، نقدّم ما قاله عن الصلة بين أفلاطون والخضر. قال الجيلي: "سافر الإسكندر ليشرب من هذا الماء اعتماداً على كلام أفلاطون، أنّ مَن يشرب مِن ماء الحياة فإنّه لا يموت. لأنّ أفلاطون كان قد بلغ هذا المحل، وشرب من هذا المحل. فهو باقٍ إلى يومنا هذا في جبل يسمّى دراوند. وكان أرسطو تلميذ أفلاطون وهو أستاذ الإسكندر, صحب الإسكندر في مسيره إلى مجمّع البحرين. فلمّا وصل إلى أرض الظلمات، ساروا وتبعهم نفر من العسكر وأقام الباقون في مدينة تسمّى (ثُبْت) برفع الثاء المثلّثة والباء الموحّدة وإسكان التاء المثنّاة من فوق، وهو حدّ ما تطلع الشمس عليه. وكان في جملة من صحب الإسكندر من عسكره الخضر (. فساروا مدّة لا يعلمون عددها ولا يدركون أمدها وهم على ساحل البحر. وكلّما نزلوا منزلاً شربوا من الماء. فلمّا ملّوا من طول السفر، أخذوا في الرجوع إلى حيث أقام العسكر. وكان الخضر ( قد أُلهم بأن أخذ طيراً فذبحه وربطه على ساقه. فكان يمشي ورجله في الماء. فلمّا بلغ هذا المحل انتعش الطير واضطرب عليه فأقام عنده وشرب من ذلك الماء، واغتسل منه، وسبح فيه. فكتمه عن الإسكندر وكتم أمره إلى أن خرج. فلمّا نظر أرسطو إلى الخضر ( علم أنّه قد فاز من دونهم بذلك فلزم خدمته إلى أن مات واستفاد من الخضر هو والإسكندر علوماً جمّة" (98). وهذا لا يعني أن الخضر ( أخفى عن رفاقه سرّ مجمّع البحرين لأنانيّة خاصّة، ولكن لأنّ الآخرين لم يكونوا مؤهّلين مثله للاستفادة من الماء حتّى لو أخبرهم بمكانه، وليس كل من جلس في غار حراء سينزل عليه الوحي. وإذا كان أفلاطون دليلاً للخضر ( إلى مجمّع البحرين، فإنّ أفلاطون لابدّ أن يكون قد وصل إلى مقامات روحيّة عالية، وفُتح لـه طريق النبوّة، وإن كانت النبوّة من التنبّؤ، حدّها صدق النبوءات عن رؤيا أو عن إلهام باليقظة، ولا تعني صحّة الرأي دائماً. لأنّ الرأي الصائب دائماً لا يمكن أن يتحقّق إلاّ بالإمداد الروحاني الدائم من مقام(إن هو إلا وحي يوحى(. ولهذا لم يكلّف الأنبياء بالرسالات لأنّهم لم يصلوا إلى مقام تلّقي العقل المقدّس، أي الروح، من العقل الأقدس. ولكن غيرة أفلاطون وحرصه على دلالة الخلق إلى ما ذاقه من المعرفة الروحيّة، شأنه في ذلك شأن الأولياء والعارفين الذين يسعون إلى نشر العلم، حرصاً على الناس، غير معصومين من الخطأ. ولابدّ بعد ظهور شريعة المصطفى ( الكاملة، من قياس علومهم على شريعته، لأنّها الشريعة المعصومة عن الخطأ، بينما الأولياء مهما كان شأنهم غير معصومين. ولكن أفلاطون ونظراً لعدم وجود شريعة للقياس عليها في عصره معذورٌ فيما قدّمه من أفكار، بهدف دلالة الناس على الله، وإن أخطأ في اختيار الطريق، أو الأسلوب. وقد بيّنّا كمثال في حديثه عن الحب كيف أنّ هدفه كان "حب الخير الأسمى" لا الحب المادي والجسدي الذي يعول عليه الماديّون. وإذا كنّا قد اعترضنا على النصوص الأفلاطونية المدوّنة، فلأنّ بعض أفكارها من إبداع العقل والعقل يخطئ ويصيب، وبعضها من عالم الروح،وهذا ما بيّناه وقبلناه. ومرّة أخرى يجب أن نعذر أفلاطون لما قد يكون دسّ عليه، أو وصلنا محرّفاً، أو قبل اكتمال الكتاب. وهذه كلّها احتمالات تعرّضت لها حتّى بعض رسالات الأنبياء، وإنّ آخر ما سنتم به هذا البحث هو رأي الشيخ شهاب الدين يحيى السَهَرْوَرْدِي في أفلاطون فقد قال عنه في كتابه: "حكمة الإشراق" "ما ذكرته من علم الأنوار وجميع ما يُبتنى عليه وغيره يساعدني عليه كلّ من سلك سبيل الله عزّ وجل وهو ذوق إمام الحكمة ورئيسها أفلاطون صاحب الأيد والنور" (99). وبيَّن سبب هذا الرأي فقال: "وهو ذوق جميع الحكماء الذين كانوا قبل أفلاطون من زمان هرمس الهرامسة المصري المعروف بادريس النبي ( إلى زمان أفلاطون، والعظماء الذين بينهما كانباذقلس وتلميذه فيثاغورس، وتلميذه سقراط، وتلميذه أفلاطون وهو خاتم أهل الحكمة الذوقيّة، ومن بعده فشت الحكمة البحثية، ومازالت في زيادة الفروع الغير المحتاج إليها حتى انطمست الأصول المحتاج إليها" (100). وقال عن إشادة ابن سينا بأرسطو دون أفلاطون: "لو أنصف أبو علي، لعلم أنَّ الأصول التي بسطها أرسطاطاليس مأخوذة عن أفلاطون، وإنَّ أفلاطون ما كان ـ والعلم عند الله ـ عاجزاً عن ذلك، وإنما عاقه عن ذلك شغل القلب بالأمور الكشفية الجليلة والذوقية الجميلة (واجتهاده في الرياضيات والمجاهدات ومشاهدة جلال الحق والنظر إلى كبريائه، وهذه الأشياء) هي الحكمة بالحقيقة. ومن هو مشغول بهذه الأمور المهمة الشريفة النفيسة، كيف يتفرغ لتفريع الأصول وتفصيل المجمل الغير المهم..؟ وتضييع الزمان والعمر فيما لا طايل تحته..؟ قال الشاعر:‏
تألّقَ البرق نجديّاً، فقلت لـه * * * يا بارق الحيّ إنّي عنك مشغول‏
"بل الصواب والعقل ما فعله الحكيم الفاضل أفلاطون الإلهي على أنه غير قاصر في البحث كما ذكره. لكن أكثر كتبه ومصنّفاته ما نقلت إلى العربي، بل تلفت وذهبت" (101). وقد بيَّن السهروردي بأنّ: "أصل القواعد الإشراقية ومأخذها هو الكشف والعيان، وأصل قواعد المشَّائين البحث والبرهان" ولهذا السبب كان حظ أهل البحث الصرف الشكوك، إذ "لعبت بالمعتمدين على البحث الصرف من متقدمي المشائين ومتأخريهم. ألا ترى أنهم كيف اضطربوا وتحيّروا من كثرة الأسؤلة ـ الأسئلة ـ الواردة عليهم، وتخبّطوا في القيل والقال وتشكك اللاحق على السابق، ولم يتّفقوا على شيء..؟ بل كلّما دخلت أمّة لعنت أختها ولهذا لم يبقَ للأذكياء ثقة بكتبهم ولا بكلامهم، إذ لا يخلو عن الريب والشك، ولا يسلم عن الطعن والقدح" (102). هذا هو حال الفلسفة منذ القديم إلى عصرنا الراهن، كلّ فيلسوف نقض فلسفة من سبقوه وعارضها. ومع ذلك فالفلسفة ليست كلّها تناقض الحقائق، أو تجهلها، وإن كان مصدر الفلاسفة العقل، ومصادر أصحاب الإلهام الروح: "إذ الفيلسوف ليس كلّ علمه باطلاً" (103). وحتى لو علمنا بأنّ الفيلسوف لا دين لـه فهذا لا يحُوْل دون إصابته في بعض الأمور، كما قال الشيخ ابن عربي: "وأمّا قولك: إنّ الفيلسوف لا دين له، فلا يدلّ كونه لا دين لـه على أنّ ما عنده باطل. وهذا مدرك بأول العقل عند كلِّ عاقل" (104). فكيف سيكون حكمنا على أفلاطون وهو من الذين آمنوا بالله، وسعوا ما وسعهم إلى إقامة دولة الإيمان، وإن أخطأ الطريق، فيما ظنَّ صلاحه من شرائع لهذه الدولة.وإذا كان أخطأ فيما اقترحه من مشاعيّة النساء والأولاد، وإن لم يكن هدفه نشر الرذيلة والفساد في المجتمع. فقد تبيّن لنا من رأيه في الحب، أنّ العلاقات الجسدية كانت عنده محتقرة إلى درجة أنه اعتبرها مُحطّة بمكانة الإنسان، ولا تصلح لأنْ تكون هدفاً للإنسان العاقل، ولا يليق بها أن تظهَر في النهار، ولهذا حرّم كلّ ما يثير الغرائز من شِعر أو موسيقى. وجعل تربية الإنسان على حبِّ الخير الأسمى هدفاً لكلِّ دولة صالحة، وباقي التفاصيل هي أسباب للوصول إلى هذا الهدف. وكما تَوافق فكر أفلاطون وروحه مع كثير من الشرائع السماوية التي ستأتي، فإنّه في النقطة الأهمّ من هذه الشرائع قد اتّفق معها ووصل بروحه إلى ما وصلت إليه، عندما جعل هدف الإنسانية الجوهري، أو ما يجب أن يكون هدفاً لها "المعرفة". ولهذا اختار دولة لا يجوز فيها للحكام ومن يدافعون عنها أن يتمتّعوا بأيّ ملكية لئلا ينشغلوا عن الهدف الأسمى بالأهداف الدنيوية، وخاصة جمع المال، الذي كان ومازال سبباً لكل بلاءات الأمم، وحروبها الظالمة، بل كان سبباً رئيساً لكلِّ ظلم واضطهاد بين أفراد الأمّة الواحدة، فكان هدف أفلاطون موافقاً لجوهر كلّ دين. والذي لخّصه القرآن بقول الله: (وما خلقت الجنَّ والإنس إلاَّ ليعبدون(. وقد قال ابن عبّاس في تفسيره "ليعبدون" "ليعرفون"وهذا المعنى يؤيده ويفسّره قول الله (إنّما يخشى الله من عباده العلماء( (فاطر/28). وبما أنّه لا بدّ من العلم إذا أردنا أن نبني دولة تعرف الله، لكي تخافه وتعمل بشريعته. وبما أنّ ما لا يتحقّق إلاّ بواجب يصبح واجباً. فإنّ من المعروف أنّ انشغال الناس بجمع المال يعطّل عليهم أبواب العلم ويقودهم إلى الجهل، ولهذا فإنّه في دولة الإيمان لابدّ من إيجاد طريقة لوقف ركض الناس وراء المال، وتضييعهم للعلم، ولابدّ من الوقوف في وجه الرأسمالية التي تسعى لخلق مجتمعات هدفها الاستهلاك والترف بدلاً من المعرفة التي تصبح في هذه المجتمعات وسيلة للتجارة والربح. ولابدّ من إزاحة كلّ الأسباب التي تؤدّي لارتقاء الإنسان ومعرفة نفسه وربه. وهذا لا يمكن أن يحدث في مجتمع يتسابق على الثراء، ويعاني أغلب أفراده من الحرمان. لهذا لابدّ في الدولة الصالحة من وقف هذا السباق وراء المال، الذي يضرّ بالعقول والأرواح. ولابدّ من نظام يجعل المعرفة هدفاً والسباق في ساحاتها غاية الغايات. وإذا كانت مثل هذه الدولة لم تتحقّق في زمن أفلاطون ولا في زماننا، ووقفت دول الاشتراكية في تعارض مع الإيمان، ممّا أدّى لانحرافها عندما تأسّست على منطق المصلحة، لا المعرفة، والإلحاد لا الإيمان، فإن هذا يجب أن لا يمنعنا من الحلم مرّة أخرى بدولة عادلة تجعل المعرفة هدفاً، والإيمان جوهراً، وتوزيع الثروة بالعدل أسلوباً وسبباً ومقدّمة لتفرّغ الأمّة للعلم النافع والمعرفة الصالحة. وإذا قسنا أعمال أفلاطون الفكرية بالنوايا لكي نحكم عليه، فإننا لا شك سنجد بأن كلّ أعماله مكرّسة لبناء مجتمع صالح أساسه الإيمان بالله، وهدفه المعرفة، وميزانه العدل، وفي زمن لا توجد فيه شريعة مقررة. ولهذا سنجد لـه العذر فيما قاله سواء كان صواباً أو خطأً بالقياس إلى نواياه، وإن كانت معرفته الروحية لم ترتقِ إلى المستوى المطلوب الذي يؤهله لتجنب عثرات العقل، وإصدار شريعة متكاملة. ولهذا فلسنا مع كلّ ما قاله عبد الكريم أو السهروردي عنه. وإن كّنا مع بعض ما قالوه. وذلك لأنّه لا عصمة إلاّ للرسل. وأفلاطون ليس لـه هذا المقام ولا لعبد الكريم أو السهروردي. وربما لم يتح لهما الإطلاع على كلِّ أفكاره ولهذا قالا عنه ما قالوه. وإن كنّا نوافق على حسن الظنّ بنواياه، بل نحن على يقين منها.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سقراط
مشرف عام


عدد الرسائل : 4740
تاريخ التسجيل : 06/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: الروح في نصوص أفلاطون "الروح البشرية"   الثلاثاء مارس 08, 2011 8:37 am

بسم الله الرحمن الرحيم
يا علي مدد
أختي الروحيّة الغالية بائعة الكبريت
كان لأفلاطون المعلّم الكبير...المدينة الفاضلة
وهو ما جعلنا نعمل لها ونحلم بها ....
لو طبّق الانسان التعاليم الالهيّة والتزم بالأخلاق وفضائلها
لكان العالم بأسره فاضلاً......
بارككم المولى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
أبوحمزة السلموني
عضو بلاتيني


عدد الرسائل : 216
العمر : 30
Localisation : عطش الصحراء وروح المحبه المتجددة
تاريخ التسجيل : 17/08/2011

مُساهمةموضوع: رد: الروح في نصوص أفلاطون "الروح البشرية"   الثلاثاء سبتمبر 06, 2011 3:51 pm

بسم الله نور السماوات والأرض أختي بائعه الكبريت أشكرك كل الشكر على مساهماتك الفلسفية و أتمنى أن تطلعينا على فلسفتك الخاصه التي خلصتي إليها بعد جهودك أتم الله نعمته عليكي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الروح في نصوص أفلاطون "الروح البشرية"
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الباحث الإسماعيلي :: ساحة الحوار والتلاقي الفكري-
انتقل الى: